وقف النبي إيليا… واقفًا وحيدًا على قمة الجبل العارية. الريح تدور حوله، تزأر، تتلاعب بملابسه وشعره، والسحاب يشكّل عرشًا سماويًا يلتف حول القمة… والدنيا صامتة، صمت الأرض والسماء، إلا قلبه الذي يخفق كطبول الحرب القديمة. القلب الذي حمل الرسالة منذ اليوم الأول… الرسالة المحفورة في أعماقه كما لو نقشها الصخر الأبدي. أرسل جوابًا، كأنه صدى روحه:

«سيدي:
عشت حياتي أسمع صوتك وسط الريح والهدوء… ورأيت نارك تلتهم الذبيحة أمام الجميع…
وأنت الذي أخفيتني في وادي كريث وأطعمتني في بيت أرملة صرفة…
الحقيقة أنني طوال الطريق كنت الطفل الذي يمشي وراءك غير مدرك للخطوة التالية…»

«أتذكر اليوم الذي ناديتني فيه من وراء المحراث…
لم أكن أعلم أنني سأواجه ملوكًا… وأقف أمام أنبياء البعل… وأدخل كهوف الوحدة واليأس…
أتذكر في كل مرة قلت لي فيها ‹اذهب›… ذهبت، وفي كل مرة قلت لي فيها ‹قف›… وقفت، حتى عندما طلبتُ نفسي الموت… أرسلتَ ملاكك ليأكلني ويقوّيني، وتحدثتَ إليّ بكلماتٍ تردّني…»

«حياتي تشبه ما حدث على جبل الكرمل…
أنا لستُ البطل في هذه القصة… أنت البطل…
حياتي كانت كالمذبح على جبل الكرمل… أنا فقط وضعتُ الحجارة… لكن النار كانت منك…»

«الآن… أنظر إلى السماء… والنهرُ خلفي… والسماءُ مفتوحة أمامي… أنهيتُ الدور الملقى على عاتقي… نقلتُ العباءة… مسحتُ الجيل الثاني… وسلّمتُ الأمانة… لم يتبقَّ سوى أن أعود إلى البيت…»

«لا أحمل في قلبي سوى الامتنان، ليس لما رأته عيناي فقط… بل لما عرفته عنك في الرحلة. أنا جاهز لمغادرة الأرض… ليس لأن المهمة انتهت… بل لأنني سأراك بلا حجاب…
وفي قلبي امتنانٌ أعظم… لتكريمي في النهاية بمشهدٍ يظل في التاريخ… بمشهدٍ لا مثيل له…
عبدك وتلميذك،
إيليا»

انتظر إيليا، صامتًا، حتى جاء جواب السماء…

النور ينحدر من الفتحات العليا كالشلالات الذهبية، يغمر الجبل والريح والنهر… كل العيون معلّقة على الرجل الذي سيظهر بعد لحظات، في حدث لم تعرفه البشرية من قبل… دخوله ليس مجرد دخول قائد عادي … إنه مقاتل خاض حرب الدنيا منذ أول نداء وحتى آخر ضربة، ولم يحارب بالسيف، بل بالقلب… القلب الذي لم يخن، ولم يبع، ولم يسجد إلا للحق…

هذا المشهد ليس لحظة مجد شخصي… إنه تتويج لمسيرة عظيمة، توقيع على نهاية مرحلة جسّدها الرجل الأنسب، الرجل الذي لم يعرف الهزيمة…

تخرج الكلمات من الملك العظيم برسالة عبر قائد المركبات النارية، يقول فيها:

«حبيبي إيليا… قرأتُ جوابك وأنا فخور بك…
وأخبرتهم أن هذا ابني…
أخبرتهم أني رأيتك قبل أن تتكوّن في بطن أمك…
عندما ناديتُك… لم أنادِك لتكون مرتاحًا… بل لتكون صوتي في زمن صار الصوت فيه رخيصًا ومزيّفًا…
كنتُ أعلم ضعفك، لكنني وثقتُ في قلبك وإخلاصك لي… اللذَين غطَّيا كلَّ ضعفك…»

«رأيتُك واقفًا أمام أخاب… وكنتُ أنا الذي ثبّت رجليك…
رأيتُك تبكي وحيدًا في كهف حوريب… وأنا الذي أخفيتُك في الصخرة…
حتى في لحظة يأسك… وألمك…
كنتُ أرسم مشهد النصر الذي تراه كاملًا الآن…
كنتُ أعلم أنك ستُكمل بشرف…»

«أنت الآن تصعد ليس كمهزوم… بل كغالب…
الأرض لن تدفنك… السماء ستستقبلك…
لن تدخل السماء كشخص انهى حياته وسلم الأمانة فقط لما بعده .. فهذا ليس فقط التكريم والنهاية الجيدة التي ذكرتها في جوابك.. 

لكني سأرسل لك مركباتي الخاصة. هذه المركبات ليست نارًا فحسب… بل وسامُ شرف… تكريمٌ لرحلة قلبك الذي كان دومًا ينبض بناري…
إنها النار التي كانت وسيلة لإثبات صحة كلامك والحق الذي تنقله… وهي وسيلة انتقالك عندي…»

«فتحتَ الطريق لجيلٍ من بعدك… زرعتَ الإيمان وسط القحط… وأعدتَ قلوب الناس إليّ…
ما بدأتَه بنارك سيستمر لكن بعباءة أخرى… بطريقة أخرى…
تعال يا إيليا… لقد حان يوم عودتك…
بيتك ينتظرك…
وأنا واقف على الباب لأستقبلك…»

الريح تتوقف للحظة… النهر يلمع كمرآة السماء… المركبات تقترب، والضياء يلتف حول إيليا كأجنحة ملائكية… كل لحظة من هذا المشهد تنبض بالرهبة، بالولاء، وبالحب الإلهي الذي يرفع الإنسان ليقف وجهًا لوجه مع القداسة.